محمد متولي الشعراوي

4253

تفسير الشعراوى

الجائز أن يكون أداة لالتقاط الميكروبات التي تنشأ من عفن الأشياء التي يستعملها الناس في حياتهم ، إذن فكل شئ مخلوق لحكمة ، فلا تخرج أنت حكمة الأشياء من غير مراد خالقها ؛ لأن صانع الصنعة هو الذي يحدد الشئ الذي يوجد وينشئ القوة لها . ونحن نعلم - مثلا - أن أنواع الوقود كثيرة ، فهناك « البنزين » النقى جدا ويرقمونه برقم ( 1 ) وهو مخصص للطائرة ، ووقود السيارة وهو « البنزين » رقم ( 2 ) . فإذا استخدمنا وقود ماكينة وآلة بدل ماكينة أخرى أفسدناها . كذلك خلق اللّه الإنسان وسخر له كل المخلوقات وأوضح : هذا يصلح لك مباشرة ، وهذا مخلوق ليخدمك خدمة غير مباشرة فدعه في مكانه . وبعد أن عرض الحق سبحانه وتعالى مواقف الجنة ، ومواقف النار ، ومواقف أصحاب الأعراف الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم ؛ وبعد أن بين المنهج كله أراد أن يبين أن ذلك ليس نظريا ، وإنما هو واقع كونى أيضا . ففرق بين الشئ يقال نظرا ، والشئ يقع واقعا ، فقص علينا قصص الأنبياء حين أرسلهم إلى أقوامهم ، فمن كذب بالرسل أخذه اللّه أخذ عزيز مقتدر بواقع يشهده الجميع ؛ فذكر نوحا مع قومه ، وذكر عادا وأخاهم هودا ، وذكر ثمود وأخاهم صالحا ، ومدين وأخاهم شعيبا ، وقوم لوط وسيدنا لوطا . وبين ما حدث للمؤمنين بالنجاة ، وما حدث للكافرين بالعطب والإذلال ، ويوضح الحق سبحانه وتعالى : أنني آخذ الناس بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ، لأن الإنسان مخلوق أفاض اللّه عليه من صفات جلاله ، ومن صفات جماله الشئ الكثير ، فاللّه قوى ، وأعطى الإنسان من قوته . واللّه غنى وأعطى الإنسان من غناه ، واللّه حكيم وأعطى الإنسان من حكمته ، واللّه عليم وأعطى الإنسان من علمه . وإذا أردت أن تستوعب ما يقربك إلى كمال العلم في اللّه ، فانظر ما علمه لكل خلق اللّه . ومع ذلك فعلمهم ناقص . ويردون إلى العلم الذاتي في الحق سبحانه وتعالى ، وربما غر الإنسان بالأسباب وهي تستجيب له ، فهو يحرث ويبذر ويروى ، وإذا بالأرض تعطيه أكلها . وهو يصنع الشئ فيستجيب له . كل ذلك قد يغريه بأن الأشياء استجابت لذاتيته فيذكره اللّه : أن اذكر من ذللها لك . كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ( 7 ) [ سورة العلق ]